ابن عجيبة
105
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
عَلَيْهِ أي : على الظل دَلِيلًا ، لأنه بالشمس يعرف الظل ، فلو لا طلوعها وظهورها ما عرف الظل ، ولا ظهر له أثر ، فالأشياء تعرف بأضدادها . ثُمَّ قَبَضْناهُ أي : أخذنا ذلك الظل الممدود إِلَيْنا ؛ إلى حيث إرادتنا قَبْضاً يَسِيراً أي : على مهل قليلا قليلا ، حسب ارتفاع دليله ، على حسب مصالح المخلوقات ومرافقها . وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً أي : جعل الظلام الساتر كاللباس وَالنَّوْمَ سُباتاً أي : راحة لأبدانكم ، وقطعا لأعمالكم . والسبت : القطع ، والنائم مسبوت ؛ لأنه انقطع عمله وحركته ، وقيل السبات : الموت ، والميت مسبوت ؛ لأنه مقطوع الحياة ، كقوله : وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ « 1 » . ويعضده ذكر النشور في مقابلته بقوله : وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً أي : ذا نشور ، أي : انبعاث من النوم ، كنشور الميت ، أو : ينشر فيه الخلق للمعاش . وهذه الآية ، مع دلالتها على قدرته تعالى ، فيها إظهار لنعمته تعالى ؛ لأن في الاحتجاب بستر الليل فوائد دينية ودنيوية ، وفي النوم واليقظة - المشبهين بالموت والبعث - عبرة للمعتبرين . قال لقمان لابنه : كما تنام فتوقظ ، كذلك تموت فتنشر . وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ ، وعن المكي بالإفراد ، نَشْراً « 2 » : جمع نشور ، أي : أرسلها للسحاب حتى تسوقها إلى حيث أراد تعالى أن تمطر ، بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أي : أرسلها قدام المطر ، لأنه ريح ، ثم سحاب ، ثم مطر . وقرأ عاصم بالباء ، أي : مبشرات بالمطر . وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً أي : مطهرا بالغا في التطهير ، كقوله : لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ « 3 » وهو اسم لما يتطهر به ، كالوضوء والوقود ، لما يتوضأ به ويوقد به . وقيل : طهور في نفسه ، مبالغة في الطاهرية ، فالطهور في العربية يكون صفة ، كما تقول : ماء طهور ، واسما ، كما في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « التراب طهور ، والمؤمن طهور » ، وقد يكون مصدرا بمعنى الطهارة ، كقولك : تطهرت طهورا حسنا ، ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا صلاة إلا بطهور » « 4 » . ووصفه تعالى الماء بذلك ؛ ليكون أبلغ في النعمة ، فإن الماء الطهور أنفع وأهنأ مما خالطه ما يزيل طهوريته ، أي : أنزلناه كذلك . لِنُحْيِيَ بِهِ أي : بالمطر الطهور بَلْدَةً مَيْتاً بالجدب والقحط ، فحييت بالنبات والعشب . والتذكير ؛ لأن البلدة بمعنى البلد ، والمراد به : القطعة من الأرض عامرة أو غامرة . وَنُسْقِيَهُ أي : ذلك الماء الطهور ، عند
--> ( 1 ) من الآية 60 من سورة الأنعام . ( 2 ) قرأ عاصم : « بشرا » بالباء ، وقرأ الباقون « بالنون » . . انظر الإتحاف ( 2 / 309 ) . ( 3 ) من الآية 11 من سورة الأنفال . ( 4 ) أخرجه بطوله مسلم في ( الطهارة ، باب وجوب الطهارة للصلاة ، 1 / 204 ، ح 224 ) من حديث ابن عمر . رضي اللّه عنه : ( لا تقبل صلاة بغير طهور . ) الحديث .